القرطبي

419

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

ما تعتقده المتصوفة من أن إكثار المال حجاب وعقوبة ، وأن حبسه ينافي التوكل ، ولا ينكر أنه يخاف من فتنته ، وأن خلقا كثيرا اجتنبوه لخوف ذلك ، وأن جمعه من وجهه ليعز ( 1 ) ، وأن سلامة القلب من الافتتان به تقل ، واشتغال القلب مع وجوده بذكر الآخرة يندر ، فلهذا خيف فتنته . فأما كسب المال فإن من اقتصر على كسب البلغة من حلها فذلك أمر لابد منه وأما من قصد جمعه والاستكثار منه من الحلال نظر في مقصوده ، فإن قصد نفس المفاخرة والمباهاة فبئس المقصود ، وإن قصد إعفاف نفسه وعائلته ، وادخر لحوادث زمانه وزمانهم ، وقصد التوسعة على الاخوان وإغناء الفقراء وفعل المصالح أثيب على قصده ، وكان جمعه بهذه النية أفضل من كثير من الطاعات . وقد كانت نيات خلق كثير من الصحابة في جمع المال سليمة لحسن مقاصدهم بجمعه ، فحرصوا عليه وسألوا زيادته . ولما أقطع النبي صلى الله عليه وسلم الزبير حضر ( 2 ) فرسه أجرى الفرس حتى قام ثم رمى سوطه ، فقال : " أعطوه حيث بلغ سوطه " . وكان سعد بن عبادة يقول في دعائه : اللهم وسع على . وقال إخوة يوسف : " ونزداد كيل بعير ( 3 ) " . وقال شعيب لموسى : " فإن أتممت عشرا فمن عندك ( 4 ) " . وإن أيوب لما عوفي نثر عليه ( 5 ) رجل من جراد من ذهب ، فأخذ يحثى في ثوبه ويستكثر منه ، فقيل له : أما شبعت ؟ فقال : يا رب فقير يشبع من فضلك ؟ . وهذا أمر مركوز في الطباع . وأما كلام المحاسبي فخطأ يدل على الجهل بالعلم ، وما ذكره من حديث كعب وأبي ذر فمحال ، من وضع الجهال وخفيت عدم صحته عنه للحوقه بالقوم . وقد روى بعض هذا وإن كان طريقه لا يثبت ، لان في سنده ابن لهيعة وهو مطعون فيه . قال يحيى : لا يحتج بحديثه . والصحيح في التاريخ أن أبا ذر توفى سنة خمس وعشرين ، وعبد الرحمن بن عوف توفى سنة اثنتين وثلاثين ، فقد عاش بعد أبي ذر سبع سنين . ثم لفظ ما ذكروه من حديثهم يدل على أن حديثهم موضوع ، ثم كيف تقول الصحابة : إنا نخاف على عبد الرحمن ! أوليس الاجماع منعقدا على إباحة [ جمع ( 6 ) ] المال من حله ، فما وجه الخوف مع الإباحة ؟ أو يأذن الشرع في شئ ثم يعاقب

--> ( 1 ) كذا في ى وب وا ، وفى ج وح‍ : يغر . ( 2 ) الحضر بضم فسكون ) والاحضار : ارتفاع الفرس في عدوه . ( 3 ) راجع ج 9 ص 223 . ( 4 ) راجع 13 ث 267 ( 5 ) الرجل ( بكسر فسكون ) : القطعة العظيمة من الجراد . ( 6 ) من ب وج‍ وه‍ .